السيد محمد باقر الصدر
61
دروس في علم الأصول ، الحلقة الأولى ( تراث الشهيد الصدر ج 6 ق 1 )
يتحرَّج من هذا الوصف ويثقل عليه أن يسمّي فقهاء الإماميّة مجتهدين . ولكنّ المحقّق الحلّي لم يتحرّج عن اسم الاجتهاد بعد أن طوّره ، أو تطور في عرف الفقهاء تطويراً يتّفق مع مناهج الاستنباط في الفقه الإمامي ، إذ بينما كان الاجتهاد مصدراً للفقيه يصدر عنه ، ودليلًا يستدلّ به كما يصدر عن آيةٍ أو رواية ، أصبح في المصطلح الجديد يعبِّر عن الجهد الذي يبذله الفقيه في استخراج الحكم الشرعيّ من أدلّته ومصادره ، فلم يعدْ مصدراً من مصادر الاستنباط ، بل هو عملية استنباط الحكم من مصادره التي يمارسها الفقيه . والفرق بين المعنيين جوهريّ للغاية ، إذ كان على الفقيه - على أساس المصطلح الأوّل للاجتهاد - أن يستنبط من تفكيره الشخصيّ وذوقه الخاصّ في حالة عدم توفّر النصّ ، فإذا قيل له : ما هو دليلك ومصدر حكمك هذا ؟ استدلّ بالاجتهاد ، وقال : الدليل هو اجتهادي وتفكيري الخاصّ . وأمّا المصطلح الجديد فهو لا يسمح للفقيه أن يبرِّر أيّ حكمٍ من الأحكام بالاجتهاد ؛ لأنّ الاجتهاد بالمعنى الثاني ليس مصدراً للحكم ، بل هو عملية استنباط الأحكام من مصادرها ، فإذا قال الفقيه : « هذا اجتهادي » كان معناه أنّ هذا هو ما استنبطه من المصادر والأدلّة ، فمن حقِّنا أن نسأله ونطلب منه أن يُدِلَّنا على تلك المصادر والأدلّة التي استنبط الحكم منها . وقد مرّ هذا المعنى الجديد لكلمة « الاجتهاد » بتطوّرٍ أيضاً ، فقد حدّده المحقّق الحلّيّ في نطاق عمليات الاستنباط التي لا تستند إلى ظواهر النصوص ، فكلّ عملية استنباطٍ لا تستند إلى ظواهر النصوص تسمّى اجتهاداً دون ما يستند إلى تلك الظواهر . ولعلّ الدافع إلى هذا التحديد أنّ استنباط الحكم من ظاهر النصّ ليس فيه كثير جهدٍ أو عناءٍ علميٍّ ليسمّى اجتهاداً . ثمّ اتّسع نطاق الاجتهاد بعد ذلك ؛ فأصبح يشمل عملية استنباط الحكم من